جلال الدين الرومي

19

فيه ما فيه

يقوما إلى الصلاة ، وأظهر لأحد هؤلاء المصلين واسمه ( خواجكى ) عيانا بعين سره أن جملة الأصحاب الذين كانوا يصلون كانوا مع إمامهم ، ظهورهم إلى القبلة ، أما هذان المريدان اللذان وافقا الشيخ كانا متوجهين إلى القبلة ؛ لأن الشيخ حين تجاوز الوجود المادي وفنى في الله ولم يبق له وجود مادي واستهلك في نور الحق بحكم ( موتوا قبل أن تموتوا ) فغدا في توه نور الحق وكل من أدبر عن نور الحق وتوجه إلى الجدار فإنما قد ولى دبره إلى القبلة بالقطع لأن الله هو روح القبلة . فهؤلاء الذين يتجهون إلى الكعبة وما الكعبة إلا بناء بناة نبىّ والرسول هو قبلة العالم فإذا كان هو القبلة فهو من باب أولى قبلة كل مصلّ . عاتب المصطفى صاحبا له قائلا ناديتك فلم تجبنى فقال كنت مشغولا بالصلاة وأنا بلا حول ولا قوة فقال حسن إذا كنت في كل وقتك بلا حول دائما فإنك ترى نفسك أيضا في حال القدرة عاجزا بلا حول كما تراها في حال العجز ؛ لأن فوق قدرتك قدرة وأنت مقهور للحق ولست في كل أحوالك بشقين مرة تكون قادرا وأخرى عاجزا فانظر إلى قدرته وعدّ نفسك دائما عاجزا بلا حول ولا قوة ومسكينا . وليس الإنسان هو الضعيف أمام الله بل الأسود والنحور والتماسيح كلها عاجزة ترتعد أمامه كذاك السماوات والأرض عاجزة ومسخرة لحكمه فهو ملك عظيم نوره لا يشبه نور الشمس والقمر اللذين يمحى بوجودها وجود الأشياء . إن نوره إذا تجلّى بدون حجاب ما بقيت السماء والأرض ولا الشمس ولا القمر وما بقي أحد غير هذا الملك .